ابن كثير

96

البداية والنهاية

نفسه ويقول : ويحكم ابن نبيكم مجروح مظلوم . وجعل حميد بن قحطبة يقول : ويحكم ! دعوه لا تقتلوه ، فأحجم عنه الناس وتقدم حميد بن قحطبة فحز رأسه وذهب به إلى عيسى بن موسى فوضعه بين يديه . وكان حميد قد حلف أن يقتله متى رآه ، فما أدركه إلا كذلك ولو كان على حاله وقوته لما استطاعه حميد ولا غيره من الجيش . وكان مقتل محمد بن عبد الله بن حسن عند أحجار الزيت يوم الاثنين بعد العصر ، لأربع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة خمس وأربعين ومائة ، وقال عيسى بن موسى لأصحابه حين وضع رأسه بين يديه : ما تقولون فيه ؟ فنال منه أقوام وتكلموا فيه ، فقال رجل : كذبتم والله ! لقد كان صواما قواما ، ولكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصى المسلمين فقتلناه على ذلك . فسكتوا حينئذ . وأما سيفه ذو الفقار فإنه صار إلى بني العباس يتوارثونه حتى جربه بعضهم فضرب به كلبا فانقطع . ذكره ابن جرير وغيره . وقد بلغ المنصور في غبون هذا الامر أن محمدا فر من الحرب فقال : هذا لا يكون ، فإنا أهل بيت لا نفر . وقال ابن جرير : حدثني عبد الله بن راشد ، حدثني أبو الحجاج قال : إني لقائم على رأس المنصور وهو يسألني عن مخرج محمد ، إذ بلغه أن عيسى بن موسى قد انهزم وكان متكئا فجلس فضرب بقضيب معه مصلاه وقال : كلا وأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء ؟ ما أنى لذلك بعد . وبعث عيسى بن موسى بالبشارة إلى المنصور مع القاسم بن الحسن وبالرأس مع ابن أبي الكرام ، وأمر بدفن الجثة فدفن بالبقيع ، وأمر بأصحابه الذين قتلوا معه فصلبوا صفين ظاهر المدينة ثلاثة أيام ثم طرحوا على مقبرة اليهود عند سلع . ثم نقلوا إلى خندق هناك . وأخذ أموال بني حسن كلها فسوغها له المنصور ، ويقال إنه ردها بعد ذلك إليهم ، حكاه ابن جرير . ونودي في أهل المدينة بالأمان فأصبح الناس في أسواقهم ، وترفع عيسى بن موسى في الجيش إلى الجرف من مطر أصاب الناس يوم قتل محمد ، وجعل ينتاب المسجد من الجرف ، وأقام بالمدينة إلى اليوم التاسع عشر من رمضان ، ثم خرج منها قاصدا مكة وكان بها الحسن بن معاوية بن جهة محمد وكان محمد قد كتب إليه يقدم عليه ، فلما خرج من مكة وكان ببعض الطريق تلقته الاخبار بقتل محمد ، فاستمر فارا إلى البصرة إلى أخي محمد إبراهيم بن عبد الله ، الذي كان قد خرج بها ثم قتل بعد أخيه في هذه السنة على ما سنذكره . ولما جئ المنصور برأس محمد بن عبد الله بن حسن فوضع بين يديه أمر به فطيف به في طبق أبيض ثم طيف به في الأقاليم بعد ذلك ، ثم شرع المنصور في استدعاء من خرج مع محمد من أشراف أهل المدينة ، فمنهم من قتله ومنهم من ضربه ضربا مبرحا ، ومنهم من عفا عنه . ولما توجه عيسى إلى مكة استناب على المدينة كثير بن حصين ، فاستمر بها شهرا حتى بعث المنصور على نيابتها عبد الله بن الربيع ، فعاث جنده في المدينة فصاروا إذا اشتروا من الناس شيئا لا يعطونهم ثمنه ، وإن طولبوا بذاك ضربوا المطالب وخوفوه بالقتل ، فثار عليهم طائفة من السودان واجتمعوا ونفخوا في بوق لهم فاجتمع